أن نعيش بوجوهٍ مستعارة، تلك هي المأساة التي ننساق إليها بملء خوفنا لا بملء إرادتنا. يبدأ الأمر بنظرة نخشاها، أو كلمة نقد نتهرب منها، فنأخذ في تشكيل أنفسنا كما يشتهي العابرون، حتى نفقد الملامح التي وُلدنا بها. نخلع شغفنا الحقيقي عند عتبة القبول الاجتماعي، ونرتدي أقنعة ترضي أذواقًا لا تثبت على حال، فنكسب استحسان الجميع، ونستيقظ وقد أضاع العمرُ أثرَنا، وصرنا غرباءَ عن الروح التي تحيا فينا.
وكما قال الشافعي:
"رضا الناس غايةٌ لا تُدرك، ورضا الله غايةٌ لا تُترك، فاترك ما لا يُدرك، وادرك ما لا يُترك."
إن المجتمع بطبعه يرتاح لمن يسهل توجيهه ومجاراته، بينما يزعجه الشخص الواضح الذي يرفض أن يُساق في قراراتٍ لم يخترها بنفسه. وضوح هذا الشخص يتعب من حوله؛ لأنه يواجههم بالحقيقة، ويُذكّرهم طوال الوقت بحجم التنازلات التي يقدمونها هم فقط لإرضاء غيرهم. لهذا السبب تحديدًا، يُترجم امتناعك عن مجاراتهم على أنه "غرور" أو "خروج عن المألوف"، بينما هو في حقيقته البسيطة مجرد حماية مشروعة للروح من الضياع والاندثار.
وكما يقول رالف والدو إيمرسون:
"أن تكون نفسك في عالم يحاول باستمرار أن يجعل منك شخصًا آخر، هو أعظم إنجاز في حياتك."
وحين تهدأ العاصفة وينفضّ الجُمهور، لن يقف أحدٌ في ظلام قلبك ليُعزّيك عن حقيقتك التي خنقتها لأجلهم. الجرأة ليست في أن ترفع صوتك، بل في أن تقف في منتصف الزحام بوجهك الحقيقي دون قناع، وتخلع عن كاهلك ثقل الخوف. فاسأل نفسك الآن قبل فوات الأوان: هل تستحق تصفيقاتهم المؤقتة أن تخسر من أجلها الشخص الوحيد الذي سيرافقك حتى النهاية؟ اختر حقيقتك واخلع القناع، فالحرية لا تُمنح... الحرية أن تجرؤ على أن تكون "أنت".
